عبد القادر الجيلاني

69

فتوح الغيب

--> - وأسوئهم أدبا ، بل يجب تأديبه وتعزيزه ، ويجب أن يصان كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن الظنون الباطلة ، والاعتقادات الفاسدة ، ولكن المتردّد منّا ، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف اللّه به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منّا ، فإن اللّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، ثم هذا باطل ؛ فإن الواحد منّا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب ، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ، ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحبّ من وجه ويكره من وجه ، كما قيل : الشيب كره وكره أن أفارقه * فاعجب لشيء على البغضاء محبوب وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه ، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس ، هو من هذا الباب . وفي الصحيح : « حفّت النّار بالشهوات ، وحفّت الجنة بالمكاره » . وقال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] الآية . ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث ، فإنه قال : « لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه » . فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبا للحقّ محبّا له ، يتقرب إليه أوّلا بالفرائض وهو يحبها ، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق ، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه ، ويكره ما يكرهه محبوبه ، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه ، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه . واللّه سبحانه وتعالى قد قضى بالموت ، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بدّ منه ، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه ، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده ، وهي المساءة التي تحصل له بالموت ، فصار الموت مرادا للحق من وجه ، مكروها له من وجه ، وهذا حقيقة التردد ، وهو : أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه ، مكروها من وجه ، وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين ، كما ترجح إرادة الموت ، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده ، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته ، كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته . ثم قال بعد كلام سبق ذكره ، ومن هذا الباب ما يقع في الوجود من الكفر والفسوق والعصيان ، فإن اللّه تعالى يبغض ذلك ويسخطه ويكرهه وينهى عنه ، وهو سبحانه قد قدّره وقضاه ، وشاءه بإرادته الكونيّة ، وإن لم يرده بإرادة دينيّة ، وهذا هو فصل الخطاب فيما تنازع فيه الناس : من أنه سبحانه هل يأمر بما لا يريده ؟ . فالمشهور عند متكلّمة أهل الإثبات ومن وافقهم من الفقهاء : أنه يأمر بما لا يريده . وقالت القدرية والمعتزلة وغيرهم : إنه لا يأمر إلا بما يريده . والتحقيق : أن الإرادة في كتاب اللّه نوعان : إرادة دينيّة شرعية ، وإرادة كونيّة قدرية ، فالأول : -